ابن جماعة

68

المختصر الكبير في سيرة النبي محمد ( ص )

فرجع بها رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) يرجف فؤاده « 1 » ، فدخل على خديجة بنت خويلد . فقال : زملوني زملوني . فزملوه حتى ذهب عنه الروع . فقال لخديجة ، وأخبرها الخبر : " لقد خشيت على نفسي " ، فقالت خديجة : كلا ، واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل « 2 » ، وتكسب المعدوم ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق « 3 » . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى « 4 » ، ابن عم خديجة ، وكان امرأ تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبرانىّ ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية « 5 » ما شاء اللّه أن يكتب . وكان شيخا كبيرا قد عمى . فقالت له خديجة : يا بن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ما ذا ترى ؟ فأخبره خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس « 6 » الّذي أنزل على موسى عليه السلام يا ليتني فيها جذع " . يا ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك . فقال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) : أو مخرجى هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت إلا عودي . وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا « 7 » ثم لم ينشب ورقة [ ص / 15 ] أن توفى ، وفتر الوحي « 8 » . قال الزهري « 9 » : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن « 10 » : أن جابر بن عبد اللّه الأنصاري

--> ( 1 ) في عيون الأثر لابن سيد الناس 1 / 52 " ترجف بوادره " . ( 2 ) الكل : الثقل الّذي يتكلف الرجل حمله كالعيال . لسان العرب لابن منظور ( كلل ) . ( 3 ) انظر تاريخ الطبري 2 / 298 ، 299 . ( 4 ) هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، وهو ابن عم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ، زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، انظر كتاب المعارف لابن قتيبة ص 159 . ( 5 ) في الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزي 1 / 162 . وعيون الأثر في فنون المغازي والسير لابن سيد الناس 1 / 81 : " العربي . . . بالعربية " . ( 6 ) أهل الكتاب يسمون جبريل عليه السلام " الناموس . انظر الصحاح للجوهري " نمس " . ( 7 ) مؤزرا : أي قويّا . قاله ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 1 / 36 طبعة الريان . ( 8 ) انظر صحيح البخاري كتاب بدء الوحي الحديث رقم ( 3 ) . ( 9 ) الزهري : هو محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب بن عبد اللّه بن الحارث ابن زهرة بن كلاب . المتوفى سنة 124 ه انظر كتاب المعارف لابن قتيبة ص 472 . ( 10 ) هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1 / 37 .